فخر الدين الرازي
143
تفسير الرازي
قال تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) * ( البقرة : 178 ) سمي القاتل بالعمد العدوان مؤمناً ، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن ، وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى لقوله : * ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) * ( التحريم : 8 ) ولقوله : * ( ولا تخزنا يوم القيامة ) * ( آل عمران : 194 ) . ثم قال تعالى : * ( فاستجاب لهم ربهم ) * ( آل عمران : 195 ) وهذه الاستجابة تدل على أنه تعالى لا يخزي المؤمنين ، فثبت بما ذكرنا أن صاحب الكبيرة لا يخزى بالنار ، وإنما قلنا إن كل من دخل النار فإنه يخزى لقوله تعالى : * ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) * وحينئذ يتولد من هاتين المقدمتين القطع بأن صاحب الكبيرة لا يدخل النار . والجواب عنه ما تقدم : أن قوله : * ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ) * ( التحريم : 8 ) لا يدل على نفي الاخزاء مطلقاً ، بل يدل على نفي الاخزاء حال كونهم مع النبي ، وذلك لا ينافي حصول الاخزاء في وقت آخر . المسألة الخامسة : قوله : * ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) * عام دخله الخصوص في مواضع منها : أن قوله تعالى : * ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ) * ( مريم : 71 - 72 ) يدل على أن كل المؤمنين يدخلون النار ، وأهل الثواب يصانون عن الخزي . وثانيها : أن الملائكة الذين هم خزنة جهنم يكونون في النار ، وهم أيضا يصانون عن الخزي . قال تعالى : * ( عليها ملائكة غلاظ شداد ) * ( التحريم : 6 ) . المسألة السادسة : احتج حكماء الاسلام بهذه الآية على أن العذاب الروحاني أشد وأقوى من العذاب الجسماني ، قالوا : لأن الآية دالة على التهديد بعد عذاب النار بالخزي ، والخزي عبارة عن التخجيل وهو عذاب روحاني ، فلولا أن العذاب الروحاني أقوى من العذاب الجسماني وإلا لما حسن تهديد من عذب بالنار بعذاب الخزي والخجالة . المسألة السابعة : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الفساق الذين دخلوا النار لا يخرجون منها بل يبقون هناك مخلدين ، وقالوا : الخزي هو الهلاك ، فقوله : * ( إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) * معناه فقد أهلكته ، ولو كانوا يخرجون من النار إلى الجنة لما صح أن كل من دخل النار فقد هلك . والجواب : أنا لا نفسر الخزي بالاهلاك بل نفسره بالإهانة والتخجيل ، وعند هذا يزول كلامكم . أما قوله تعالى : * ( وما للظالمين من أنصار ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : المعتزلة تمسكوا به في نفي الشفاعة للفساق ، وذلك لأن الشفاعة نوع نصرة ، ونفي الجنس يقتضي نفي النوع .